الجاحظ
115
رسائل الجاحظ
بالتقليد ، وإذا كانوا كذلك فهل يخلو أمرهم من أن يكونوا قد علموا أنهم على خطأ أو يكونوا شكاكا أو يكونوا عند أنفسهم مستشهدين للضرورات وإن كانوا قد تركوا ذلك عند بعض المقدمات ، فإن كانوا قد علموا أنهم لم يستشهدوا الضرورات وإن كانوا شكاكا فيها فليس على ظهر الأرض مخطئ إلا وهو عالم بموضع خطئه أو شاك فيه ، أو كانوا عند أنفسهم مستشهدين للضرورات ، فما يؤمنكم أن تكونوا كذلك ؟ فإن قالوا : « ليس أحد يعرف أن علامة الحق استشهاد الضرورات غيرنا ، قلنا : أو لستم - معشر أبي إسحاق النظام - تختلفون في أمور كثيرة وقد كنتم يؤمنكم أن تكونوا على باطل ؟ » ، أن تقولوا : « استشهادنا للضرورات » ، على باطل ؟ » - قال : « لأني مستشهد للضرورات » ، فهل يخلو أمركم من أحد وجهين : إما أن تكونوا صادقين على أنفسكم أو كاذبين عليها ، فإن كنتم صادقين فقد صار قلب المحق كقلب المبطل إذ كان كل واحد [ منهما ] عند نفسه مستشهدا للضرورات ، وإن كنتم كاذبين فهل منكم محق إلا وهو يلقى الخصم بمثل دعواه في استشهاد الضرورات ؟ وهل منكم واحد على حياله محقا [ كان ] أو مبطلا إلا وجوابه لنا مثل جواب صاحبه ؟ فإذا كانت القلوب قد تكون عند أنفسنا مستشهدة للضرورات وهي غير مستشهدة لها وكون القلب كذلك هو علامة الحق . فما الفرق بين قلب المحق والمبطل ؟ ومع ذلك إنا وجدنا صاحبكم قبلكم ووجدناكم بعده قد رجعتم عن أقاويل كثيرة بعد أن كان جوابكم لمن سألكم : « ما يؤمنكم أن تكونوا على باطل ؟ » أن تقولوا : « استشهادنا للضرورات » ، ونحن لو سألناكم عما رجعتم عنه ، فقلنا لكم : « لعلكم على خطأ ولعلكم من هذه الأقاويل على غرر » لم يعد جوابكم استشهاد الضرورات . [ 9 - الحرية ] والاستطاعة [ . . . ] ثم إني واصف قولي في المعرفة ومجيب خصمي في معنى الاستطاعة وفي